جلال الدين السيوطي
547
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
الأعلام . ذكره ابن الصلاح في طبقات الشافعيّة وقال : سمع من السلفيّ وغيره ، وكان إماما بعلوم جمة محققا ذكيّا واسع المحفوظ كثير الفنون بارزا في القراءات وعللها حافظا للحديث أستاذا في العربيّة زاهدا عابدا قانتا مهيبا ، وقصيدتاه في القراءات والرسم مما يدلّ على تبحّره ، وقد سارت بهما الركبان ، وخضع لهما فحول الشعراء ، واستوطن القاهرة ، وتصدّر للإقراء بالمدرسة الفاضليّة ، وانتفع به الخلق . وقال السخاويّ في شرح القصيد : كان عالما بكتاب الله بقراءاته وتفسيره عالما بحديث رسول الله ( صلّى اللّه عليه وسلم ) مبرزا فيه ، وكان إذا قرئ عليه البخاريّ ومسلم والموطأ يصحح النّسخ من حفظه ويملي النكت على الموضع المحتاج إلى ذلك منها . وأخبرني أنّه نظم في كتاب التمهيد لابن عبد البرّ قصيدة داليّة في خمسمائة بيت ، من حفظها أحاط بالكتاب علما . وكان مبرزا في علم النحو والعربيّة عارفا بعلم الرؤيا حسن المقاصد فيما يقول ويفعل . نظم القصيدة في القراءات وسمّاها حرز الأماني ووجه التهاني ، وله القصيدة المعروفة بعقيلة أتراب القصائد في أسنى المقاصد ، نظم فيها « المقنع » لأبي عمرو في الرسم ، وزاد عليه ، وهي مائتان وثمانية وتسعون بيتا . قال رحمه الله : لا يقرأ أحد قصيدتي هذه إلا وينفعه الله تعالى بها ؛ لأنني نظمتها لله سبحانه . وكان يتجنّب فضول القول ، ولا يتكلّم في سائر أوقاته إلا بما تدعو إليه ضرورة ، ولا يجلس للإقراء إلا على طهارة في هيئة حسنة وخضوع واستكانة ، ويمنع جلساءه من الخوض والحديث في شيء إلا في العلم والقرآن . وكان يعتلّ العلّة الشديدة فلا يشتكي ولا يتأوّه ، وإذا سئل عن حاله ، قال : العافية . لا يزيد على ذلك . وذكرت له يوما جامع مصر ، وقلت : قد قيل أنّ الأذان يسمع فيه من غير المؤذنين ، ولا يدرى ما هو . فقال : قد سمعته مرارا لا أحصيها عند الزوال .